أحمد بن محمد مسكويه الرازي

86

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

صورته الأولى ، الا بعد مفارقته الصورة الأولى مفارقة تامّة . مثال ذلك : ان الجسم إذا قبل صورة وشكلا من الاشكال كالتثليث مثلا ، فليس يقبل شكلا آخر من التربيع والتدوير وغيرهما ، إلّا بعد ان يفارقه الشكل الأول ، وكذلك إذا قبل صورة نقش أو كتابة أو أي شيء كان من الصور ، فليس يقبل صورة أخرى من ذلك الجنس إلا بعد زوال الأولى وبطلانها البتة ، فان بقي فيه شيء من رسم الصورة الأولى لم يقبل الصورة الثانية على التمام ، بل تختلط به الصورتان ، فلا يخلص له إحداهما على التام . مثال ذلك : إذا قبل الشمع صورة نقش الخاتم ، « 1 » لم يقبل غيره من النقوش إلا بعد ان يزول عنه رسم النقش الأول . وكذلك الفضة إذا قبلت صورة الخاتم . وهذا حكم مستقيم مستمر في الأجسام . ونحن نجد أنفسنا تقبل صور الأشياء كلها على اختلافها من المحسوسات والمعقولات على التمام والكمال ، من غير مفارقة للأولى ولا معاقبة ولا زوال رسم ، بل يبقى الرسم الأول تاما كاملا ، وتقبل الرسم الثاني أيضا تاما كاملا . ثم لا تزال تقبل صورة بعد صورة ابدا دائما من غير أن تضعف أو تقصر في وقت من الأوقات عن قبول ما يرد ويطرأ عليها من الصور ، بل تزداد بالصورة الأولى قوة على ما يرد عليها من الصورة الأخرى . وهذه الخاصة مضادة لخواص الأجسام . ولهذه العلة يزداد الانسان فهما كلما ارتاض « 2 » وتخرج في العلوم والآداب ، فليست النفس إذن جسما .

--> ( 1 ) . خاتم اليد المتداول . ( 2 ) . من رياضة النفس وتزكيتها وتهذيبها من الشوائب .